Skip to playerSkip to main content
  • 7 weeks ago
Transcript
00:00اهلا بكم في هذا التحليل
00:01اليوم دعونا ندخل مباشرة في صلب عمل ادبي يمكن القول انه قلب الفلسفة الغربية رأسا على عقد
00:09نتحدث هنا عن رواية الغثيان للفيلسوف جامبول سارتر والتي نشرت عام 1938
00:17هذه ليست مجرد قصة عادية بل هي اشبه برحلة فكرية وتجربة حية تجعل فكرة الوجود بحد ذاتها امرا يثير الرهبة
00:26انها نقطة الانطلاق الحقيقية لما عرفناه لاحقا بالفلسفة الوجودية
00:31سؤال غريب بعض الشيء
00:33اليس كذلك؟
00:35تخيلوا معي للحظة
00:36ماذا لو كان اكثر شيء مرعب في هذه الحياة ليس الموت او حتى الوحدة
00:41بل فكرة ان هذا العالم باكمله لا يحمل اي معنى مسبق او جاهز
00:46صمم خصيصا لنا
00:48هذا بالضبط هو الفراغ المخيف الذي يواجه بطل الرواية انتوان روكانتان
00:53انه مؤرخ يعيش وحيدا في مدينة ساحلية باهتة
00:57الجميل هنا هو ان روكانتان لا يواجه وحوشا او كوارث طبيعية
01:01بل يمر بانهيار داخلي صامت ومرعب
01:04انه يبضع بالشعور بالفراغ الخامل الوجود
01:07وهما يجبرنا نحن ايضا على التحديق مباشرة في هذه الهاوية
01:11اذا ما هو هذا الغثيان الذي نتحدث عنه؟
01:15لنكن واضحين نحن لا نقصد هنا وعكة صحية عابرة او تسمما غذائيا
01:21لا الامر اعمق بكثير
01:23انه حرفيا استجابة جسدية عنيفة وصادقة جدا
01:28انه ذلك الثقل المزعج الذي يضرب المعدة
01:31عندما تفقد الاشياء المألوفة من حولنا معناها وتصنيفاتها المعتادة بشكل مفاجئ
01:37تسقط الاسماء وتسقط التبريرات
01:39وما يتبقى هو فقط اللحم المادي الخام للاشياء
01:43وجود عار وثقيل لا يوجد اي مبرر منطقي لوجوده
01:47لنضع هذا المثهوم المعقد في سياق يوميا بسيط
01:51لنتخيل هذا المشهد معا
01:53بطلنا يمشي بهدوء على الشاطئ
01:55يرى حصات عادية جدا
01:57يمد يده ليلتقطها ليرميها في الماء كما نفعل جميعا
02:01وفجأة يتجمد
02:03الحصات لم تعود مجرد اداة للعب او مجرد كلمة في القاموس
02:06لقد تحولت فجأة في يده الى كتلة مادية غريبة
02:10باردة ثقيلة وحاضرة بكثافة مزعجة
02:14هذا الانفصال المرعب بين اسم الشيء وحقيقته المادية الفجة
02:18هو بالضبط اللحظة التي تضرب فيها نوبة الغثيان
02:20حسنا
02:21امام هذا الرعب المباغط
02:23كيف يتصرف باقي الناس
02:25بصراحة طرق الهروب التي ابتكرها البشر
02:28مثيرة للاهتمام
02:29سكان المدينة مثلا
02:31يختبئون خلف روتين يومي صارم جدا
02:34ليقنع انفسهم بانهم مهمون
02:37ووجودهم ضروري
02:38وهناك شخصية نسميها العصامي
02:41هذا رجلا يعتقد بسذاجة ان قراءة الموسوعة من حرف الالف الى الياء
02:46ستعطيه المعنى
02:48لكن بالطبع المعرفة المجردة لا تجيب على سؤال الوجود
02:51وحتى اني الحبيبة السابقة
02:54تحاول دائما خلق سيناريوهات مثالية
02:56ولخضات كاملة
02:58لكن الواقع دائما ما يخذلها
03:00كل هذه مجرد محاولات يائسة لتغطية الفراغ
03:05دعونا ننتقل الى مثال اخر وهو بالمناسبة ايقونة في الفلسفة السارترية
03:11تخيلوا نادلا في مقهى
03:13هذا النادل يتحرك بسرعة مبالغ فيها
03:16يحمل الصواني بكفاعة روبوتية
03:18ويبتسم للزبائن بطريقة آلية ومدروسة
03:22لماذا يفعل ذلك؟
03:23انه ببساطة يختبئ بالكامل داخل دور النادل
03:27هذا الدور المجهز مسبقا يحميه
03:29لانه يعفيه من عبء التفكير في السؤال المخيف
03:32من انا؟
03:33ولبادأ انا هنا؟
03:35انه يمنح نفسه حقنا وهميا في الوجود
03:37لتجنب مواجهة حريته المطلقة
03:40من خلال هذا النادل
03:41نصل الى فكرة مركزية وخطيرة جدا
03:45الايمان السيء
03:47بعبارة بسيطة
03:48الايمان السيء
03:50هو تلك الكذبة المريحة
03:51التي نكذبها على انفسنا
03:53عندما ندعي اننا مجرد اشياء ثابتة لا تتغير
03:58كأن نقول مثلا
03:59انا مجرد موظف هذا هو قدري
04:01او انا عصبي بطبعي ولا استطيع التغيير
04:04نحن نلجأ لهذه الاعذار
04:07لكي نهرب من ثقة للمسئولية
04:09لان الاعتراف باننا احرار تماما في اختيار هويتنا
04:12هو امر يتطلب شجاعة
04:14ويثير قلقا هائلا
04:16وما يجعل هذا الكلام يمسنا مباشرة اليوم
04:19هو اننا ما زلنا نمارس الايمان السيء طوال الوقت
04:23ولكن باساليب حديثة
04:25فاتروا في الامر
04:27نحن نعتمد على العلامات التجارية الشهيرة
04:29لنشتري هويات جاهزة ومغلفة
04:32نقضي ساعات في تصليم حسابات مثالية ومزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي
04:37لنقدم انفسنا كشخصيات ثابتة وخالية من العيوب
04:41بل ونلجأ لتبني ايدولوجيات سياسية او فكرية معلبة
04:45فقط لكي نتهرب من عبء التفكير المستقل
04:48واتخاذ قراراتنا بانفسنا
04:50انها اللعبة القديمة ذاتها
04:52الهروب من عبء الوجود
04:54نصل الان الى اللحظة الحاسمة في القصة
04:57ذروة الادراك
04:58بطلنا يجلس في الحديقة العامة
05:01ويحدق في جذر شجرة كاستناء غائر في الارض
05:04هذا ليس مجرد تأمل في الطبيعة
05:07روكانتن يرى الجذر ككتلة سوداء
05:10ضخمة وتفيض بكثافة مادية تتجاوز اي وصف او فكرة في رأسه
05:15وفي تلك اللحظة بالذات يدرك الحقيقة المرعبة
05:19هذا الجذر بكل ضخامته غير مبرر على الاطلاق
05:23لا يوجد اي سبب منطقي لوجوده هنا
05:26انه ببساطة موجود
05:28الوجود يفيض ويتمدد بعشوائية ودون اي ضرورة
05:33ادراك هذه العبثية يقودنا الى عبارة
05:36ربما تكون الاكثر شهرة في الفلسفة الحديثة باكملها
05:40الوجود يسبق الجوهر
05:42لنتوقف هنا لحظة
05:44دعوا الثقل هذه الكلمات يترسخ
05:47هذه ليست مجرد جملة عابرة
05:49بل هي الزلزال الذي هز اركان الفلسفة
05:52انها نقطة الارتكاز المطلقة
05:55لكل الفكر الوجودي
05:56وتغيير جذري في طريقة فهمنا لانفسنا
05:59ولكي نستوعب حجم هذه الثورة الفكرية حقا
06:02دعونا نعقد مقارنة بسيطة
06:05الفلسفة القديمة كانت تنظر للامور هكذا
06:08الكرسي مثلا
06:09فكرته وغايته موجودة في ذهن النجار قبل ان يتم صنعه
06:13صحيح الجوهر هنا يسبق الوجود
06:15لكن سارتر يقول توقفوا
06:18هذا لا ينطبق على البشر
06:19نحن كبشر نلقى في هذا العالم اولا
06:22كصفحة بيضاء تماما في فراغ مطلق
06:25نوجد اولا
06:26ثم نتحمل نحن عبء بناء غايتنا
06:29وتشكيل جوهرنا خطوة بخطوة
06:31من خلال افعالنا واختياراتنا
06:33نحن من نصنع الكتالوج الخاص بنا
06:35ومع هذا الوعي الصادم بالحاضر المادي
06:38ينهار كل شيء اخر
06:40حتى الماضي
06:41بطن كان يقضي ايامه في كتابة بحث عن شخصية تاريخية
06:45وفجأة يدرك حقيقة قاسية
06:47الماضي ببساطة لم يعد موجودا
06:50ما لملكه هو مجرد اوراق نصوصا وحبر جاف
06:54اما الحياة النابضة لتلك الشخصيات
06:56فقد تلاشت الى الابد
06:58وهكذا
06:59ينهار وهم الحقيقة التاريخية بالكامل
07:01ويجد نفسه عالقا بالكامل في الحاضر المستبر
07:04مدركا ان الكلمات لا تستطيع احياء الموتى
07:08عندما تنهار ارتباطاتنا بالماضي
07:10وتتبخر الاعذار
07:12نجد انفسنا وجها لوجه
07:14امام رقم واحد لا مفر منه
07:16مئة بالمئة
07:17نعم
07:18نحن نتحمل المسئولية بنسبة مئة بالمئة
07:21عن كل خياراتنا وعما نصبح عليه
07:24في هذا العالم الذي يخلو من اي جوار مسبق
07:27لا مجال لاختلاق الاعذار
07:29لا يمكننا القاء اللوم على الطبيعة البشرية
07:32او على المجتمع
07:33او حتى على طفولتنا
07:34انها حرية جذرية ومطلقة
07:37وبكل تأكيد
07:38هي حرية تأتي مع قدر مرعب من القلق والمسئولية
07:42الان قد يبدو كل هذا الكلام كائبا ومظلما
07:46اليس كذلك؟
07:47قد يذكرنا فورا بعوالم كفكا الخانقة
07:50حيث الشخصيات تائها في متاهات
07:52وتنتظر بيأس اذنا مستحيلا للخروج او الفهم
07:55لكن هنا يكمن الفرق العظيم
07:58فراغ سارتر ورغم الغثيان الذي يسببه
08:01ليس دعوة للاستسلام
08:02على العكس تماما
08:04انه يدعون لقبول هذه الحرية المطلقة بقوة
08:07وان نأخذ زمام المبادرة للفعل والعمل
08:10دون ان ننتظر الاذن من اي نظام او سلطة او غاية عليا
08:14لكن مهلا وسط كل هذا العدم والفراغ يضغى فجأة بصيص من الامل والترتيب
08:20مجرد اغنية جاز امريكية يستمع اليها ركنتان في المقهى
08:24يلاحظ شيئا سحريا
08:26الموسيقى لا تخضع لعشوائية الطبيعة التي تسبب الغثيان
08:30الاغنية لا توجد ككتلة مادية ثقيلة مثل جذر الشجرة
08:33لها ايقاع متسلسل
08:35كل نغمة تقود للاخرى بضرورة داخلية متقنة
08:39لها بداية ووسط ونهاية
08:41هذا يمنحه دليرا رائعا
08:43على ان الفعل الانساني والابداع
08:45يمكن ان يخلق شكلا مبررا وسط كل هذه العشوائية
08:49هذا الالهام البسيط والمفاجئ
08:51يدفع بطلنا لاتخاذ قرار جذري تماما
08:54يقرر ان يترك مدينته الرمادية
08:57وان يتخلى عن بحثه التاريخي الذي لا معنى له
09:00ليختار الانخراط في فعل خلق حقيقي وحر
09:03سيكتب رواية من العدم
09:05بالطبع الفن لن يعالج الغثيان للابد
09:08فالوجود سيظل عاريا من المعنى المسبق
09:10لكن فعل الكتابة والابداع يمثل هنا اسمى درجات التمرد
09:14انه يثبت اننا نستطيع
09:16بل ويجب علينا ان ننتزع كرامتنا من خلال خلق شيء جديد بالكامل
09:21في النهاية تقودنا هذه الرحلة الفكرية
09:24الى سؤال يظل يتردد طويلا
09:26سارتر لم يجرد الحياة من اوهامها لكي يدمرنا باليأس
09:30بل لكي يوقظنا
09:32السؤال الان لم يعد ما اذا كان العالم بلا معنى ام لا
09:36بل كيف سنتعامل مع هذا الفراغ المذهل
09:39اذا كنا نعلم يقينا ان الحياة لا تقدم لنا معنى مغلفا كهدية
09:44فما هو المعنى الذي سنختار نحن ان نصنعه بايدنا
09:47انها دعوة قوية للتأمل في هذه المساحة الفارغة
09:51وللشجاعة الاستثنائية التي نملكها لملء تلك المساحة
09:55شكرا لرفقاتكم في هذه الرحلة
09:57ولنتذكر دائما المعنى لا ينتظر بل يصنع

Recommended