Skip to playerSkip to main content
  • 2 months ago
Transcript
00:00تعرفون عندما يذكر اسم جون بول سارتر نحن لا نتحدث عن مجرد فيلسوف تقليدي منعزل في برجه العاجي
00:07إطلاقا نحن نتحدث عن أيقونة ثقافية حقيقية
00:11شخص أخذ أعقد أفكار الفلسفة الوجودية من قاعات الجامعات المغلقة
00:16ونقلها مباشرة إلى المقاهي والشوارع ونقاشات الناس العادية
00:21في استعراضنا المعمق اليوم سنقوم بتفكيك أفكار هذا المفكر الاستثنائي
00:26لنفهم كيف تحول إلى رمز حي لفكرة الحرية الإنسانية المطلقة
00:31دعونا نبدأ
00:32خطتنا اليوم بسيطة وواضحة جدا
00:36سنبدأ باستكشاف ولادة الوجودية
00:38ثم ننتقل إلى فكرته الشهيرة الوجود يسبق المهية
00:43بعد ذلك سنفكك معا ما أسماه فخ سوء النية وتأثير نظرة الآخر
00:48لنرى بعدها كيف طبق هذه الفلسفة على أرض الواقع
00:52ونختم بالانتقادات الموجهة له
00:55خطوة بخطوة سنجعل كل هذه الأفكار العميقة واضحة تماما
01:00حسنا دعونا نتعمق في هذا السياق
01:03ولادة الوجودية في عالم تعمه الفوضى
01:07كيف نشأت هذه الأفكار؟
01:09لقد جاءت من رحم خلفية تاريخية مضطربة للغاية
01:13حطمت كل المعتقدات القديمة
01:16ومهدت الطريقة لانتشار أفكار سرتير كالنار في الهشيم
01:20تخيلوا على من ينهار أمام أعينكم
01:23بداية من الحرب العالمية الأولى في عام 1914
01:27مرورا بالأزمة الاقتصادية الخانقة في التسعينيات
01:32أقصد في عام 1929
01:35وصولا إلى صعود الأنظمة الشمولية في الثلاثينيات
01:38وأخيرا الكارثة الكبرى الحرب العالمية الثانية
01:42هذا التتابع المرعب للأحداث جعل الملايين يتساءلون ببساطة
01:47ما معنى كل هذا؟ ما معنى الحياة؟
01:49ورغم أن فلاسفة مثل كيركغارد ونيتشا طرحوا هذه الأسئلة سابقا
01:54إلا أن سارتر هو من جعلها حركة شعبية حية تلبي نداء جيل كامل
01:59فقدت ثقة في كل شيء
02:01النقطة الحاسمة هنا جاءت من الملاحظة المباشرة على أرض الواقع
02:06خلال فترة احتلال فرنسا
02:08عاش الجميع تحت نفس الظروف القاسية تماما
02:12لكن وما يثير الدهشة حقا
02:14أن ردود الأفعال كانت مختلفة جذريا
02:18بعضهم اختار التعاون مع المحتل
02:20بينما اختار آخرون المقاومة والتضحية بحياتهم
02:24هذا التباين الشديد جعل سارتر يدرك شيئا مهما جدا
02:29لا يمكن أبدا اختزال الإنسان في ظروفه الخارجية
02:33الإنسانية دائما تملك زمام المبادرة
02:37وهذا يقودنا مباشرة إلى صلب الموضوع
02:40الوجود يسبق الماهية
02:42هنا يرفض السارتر تماما الفكرة الكلاسيكية
02:46التي تقول إن للإنسان طبيعة أو وصفة جاهزة
02:49ومحددة مسبقا
02:51لتوضيح هذا المفهوم العميق
02:54دعونا نفكر في مقارنة بسيطة جدا
02:57النجار والكرسي
02:58عندما يصنع النجار كرسيا فإن فكرة هذا الكرسي والهدف منه
03:04تكون واضحة في ذهنه قبل أن يبدأ بالعمل أصلا
03:07أليس كذلك؟
03:09هنا الماهية أو الهدف تسبق الوجود
03:12لكن بالنسبة للإنسان الأمر معاكس تماما
03:16نحن لا نأتي إلى هذا العالم
03:18ومعنا دليل استخدام أو غاية محددة سلفا
03:21بل نولد
03:22نوجد أولا في هذا العالم
03:25ثم نبدأ نحن بتحديد أهدافنا وماهيتنا بأنفسنا
03:29الوجود يسبق الماهية
03:31هذه الجملة هي حرفيا حجر الأساس لكل فكر سارتر
03:35ما يعنيه هنا هو أن الطفل لا يولد بطلا أو جبانا بطبيعته
03:40الهوية ليست شيئا مطبوعا في جيناتنا
03:42بل تبنى هويتنا وتشكل بالكامل من خلال سلسلة قراراتنا وأفعالنا اليومية
03:48التي نتخذها طوال حياتنا
03:50ومن هذه النقطة نصل إلى استنتاج قد يبدو صادما بعض الشيء
03:55الإنسان محكوم عليه بالحرية
03:57فكروا في هذه العبارة قليلا
04:00الحرية المطلقة هنا ليست شيئا ممتعا أو هدية نفرح بها
04:04بل هي في الواقع بأن ثقيل ومخيف
04:07لماذا؟ لأننا لم نختر أن نولد
04:10ولكن بمجرد أننا هنا يصبح كل فرد مننا مسؤولا بشكل كلي ومطلق
04:16عن كل خطوة يخطوها
04:17لا يوجد مفر ولا مجال لأي أعذار
04:20الآن ما يثير الاهتمام حقا في كل هذا
04:24هو كيف نتعامن كبشر مع هذا الوزن الهائل من الحرية والمسؤولية
04:29وكيف نحاول غالبا الهروب منه
04:33دعونا نتخيل هذا المشهد معا
04:36شخص يقف على حفة جبل شاهق الارتفاع
04:39الخوف الطبيعي هنا هو الخوف من السقوط عن طريق الخطأ
04:44لكن القلق الوجودي الذي يتحدث عنه سارتر
04:47هو شيء أعمق وأكثر رعبا بكثير
04:50إنه الإدراق المفاجئ بأن هذا الشخص لديه الحرية المطلقة لاختيار القفز
04:56هذا القلق لا يأتي من خطر خارجي يهدده
04:59بل من إدراكه المرعب بأن المستقبل غير مكتوب
05:02وأن كل الخيارات مفتوحة تماما أمامه
05:06وأن القرار بيده هو فقط
05:08ولأن هذا القلق الوجودي مرهق جدا للأعصاب
05:12يميل البشر للجوء إلى فخ يسميه سارتر سوء النية
05:17باختصار هو نوع من الخداع الذاتي
05:20نحن نختلق باستمرار قصصا وحججا
05:23لنلقي اللوم على المجتمع أو على طفولتنا
05:26أو حتى على سوء الحظ
05:28فقط لنتظاهر بأننا لسنا أحرارا حقا
05:31وأننا مجبرون على ما نحن عليه
05:33إنها مجرد حيلة نفسية للهروب والاختباء
05:36من تحمل مسؤوليتنا الثقيلة
05:39أشهر مثال طرحه سارتر لتوضيح هذه الفكرة
05:43هو قصة النادل في المقهى
05:45تخلل نادلا يتحرك ذهابا وإيابا كآلة مبرمجة
05:49يحمل الصينية بتوازن مثالي مبالغا فيه
05:52ويبتسم بدقة مصطنعة
05:54وكأنه يحاول إقناع نفسه بأنه فقط مجرد نادل
05:59لا شيء آخر
06:00هذه طريقة مريحة جدا
06:03لتعليب الذات داخل دور اجتماعي واحد محدد
06:06بدلا من مواجهة الحقيقة المرعبة
06:09بأن أمكانياته كإنسان لا حدود لها
06:12هذا بالضبط ما يعنيه سوء النية في حياتنا اليومية
06:16لكن بالطبع نحن لا نعيش وحدنا في هذا العالم
06:20وهنا تبرز مشكلات جديدة
06:22كيف يمكن لهذه الحرية الفردية أن تصمد
06:26ونحن محاطون طوال الوقت بأشخاص آخرين
06:29يشرح سارتر هذا الصراع بقصة قصيرة ولكنها قوية جدا
06:34تخيلوا شخصا يتلصص من ثقب الباب
06:37في ترك اللحظات هو يعيش بحرية كاملة
06:40مندمج تماما فيما يفعله
06:42لكن فجأة يسمع صوت خطوات خلفه
06:45ماذا يحدث؟
06:47يتغير كل شيء في كسر من الثانية
06:49يغمره شعور مفاجئ بالخجل
06:52لماذا؟
06:53لأن نظرة الآخر حولته فورا من إنسان حر إلى مجرد شيء
06:57أو موضوع يتم تقييمه والحكم عليه
07:00في تلك اللحظة تتلاشى حريته الذاتية
07:03تحت وطأة أحكام المجتمع
07:05ومن هنا بالتحديد جاءت عبارته الشهيرة جدا
07:08والتي تفهم غالبا بشكل خاطئ
07:11الجحيم هو الآخرون
07:13بالمنافبة هو لم يقصد أبدا أن البشر وحوش
07:16أو أننا يجب أن نعيش في عزلة تامة
07:19إطلاقا
07:20ما كان يقصده هو أننا نعيش في سجن من الأحكام
07:24والتوقعات والصور النمطية
07:26التي يفرضها علينا الآخرون
07:28نحن في قلق دائم من تلك النظرة
07:30التي تسلبنا جزءا من حريتنا وتعطل عفويتنا
07:34والآن نصل إلى نقطة رائعة في مسيرة سارتر
07:38الفلسفة في الميدان
07:40هو لم يكن يطيق فكرة أن تبقى الفلسفة
07:43مجرد نظريات معقدة في كتب أكاديمية يكسوها الغبار
07:47بل كان مصمما على أن الفلسفة
07:50يجب أن تعاش في يومياتنا
07:52أو في كل تفاصيل حياتنا
07:54لذلك جعل من الأدب آداته السحرية
07:58لنشر هذه الفلسفة المتمردة
08:01فمثلا في روايته الغثيان
08:03يجعلك تختبر شعور الفقدان المفاجئ
08:06لمعنى الأشياء العادية من حولك
08:08وفي مسرحية الذباب
08:10يستخدم الأساطير اليونانية القديمة
08:13ليخبرنا بأهمية تحمل المسئولية الشخصية
08:16بدلا من الغرق في مشاعر الذنب
08:18أما في رائحته أقصد رائعة
08:21الأبواب المغلقة
08:22فقد جسد ببراعة
08:23كيف نعذب بعضنا البعض
08:25بمجرد النظرات والأحكام
08:27كانت أعماله الأدبية طريقة ذكية
08:30ليجعل الجمهور يشعرون حرفيا
08:32بالقلق الوجودي والحرية
08:34مع شخصيات القصة
08:35ومع مرور الوقت
08:37لم يتوقف سارتر عند الأدب
08:39بل انتقل إلى فكرة أطلق عليها الالتزام
08:42كان يعتقد بشدة أن المثقف الحقيقي
08:45لا يمكنه الجلوس على مقاعد المتفرجين
08:48لذا انخرطوا في العمل السياسي
08:51وبدأ حوارا مفتوحا مع الماركسية
08:53وغيرها من التيارات
08:54في محاولة لدمج حريته الفردية
08:57مع القضايا الاجتماعية والسياسية الأوسع
09:00قاعدته هنا كانت صارمة
09:02حتى اختيارك للصمت في وجه الظلم
09:04هو في النهاية اختيار وموقف فعال
09:07لا توجد منطقة محايدة
09:09وهذا ينقلنا إلى الجزء الأخير
09:12والمهم جدا من استعراضنا اليوم
09:14الانتقادات وحدود تلك الحرية
09:17بالطبع أفكار جذرية كهذه
09:20لم تمر دون أن تثير عواصف
09:22من النقاشات والردود المعارضة
09:25عبر التاريخ
09:25دعونا نلقي نظرة موضوعية
09:28على أهم الانتقادات
09:30التي وجهت لفلسفة سارتر
09:32أولا أشار العديد من علماء الاجتماع
09:35إلى أنه بالغ كثيرا
09:37في تقدير هذه الحرية الفردية
09:38متجاهلا عقبات واقعية ضخمة
09:41لا يمكن إنكارها
09:42كالفقر والمرض
09:43ثانيا انتقد الفلاسفة غياب
09:46بوصلة أخلاقية واضحة في نظريته
09:49تفصل بين الخير والشر
09:50أضف إلى ذلك أن نظرته للعلاقات الإنسانية
09:54اعتبرت شديدة التشاؤم
09:56وكأنها تتجاهل وجود التعاطف والتعاون بين البشر
09:59وأخيرا أخذ عليه النقاد وقوعه في بعض التناقضات السياسية
10:04حيث دافع في بعض الفطرات عن أنظمة قاسية
10:06على أمل الوصول لتبديل شامل للأنظمة الموجودة
10:10ورغم كل هذه الانتقادات المبررة
10:13يظل أرث جامبول سارتر قويا ومؤثرا للغاية
10:17لماذا؟
10:18لأنه ببساطة يجبرنا كبشر على مواجهة أنفسنا بصدق
10:23الخلاصة هنا والسؤال العميق الذي نختتم به هذا الاستعراض
10:27والذي يستحق من الجميع التفكير فيه
10:29إذا كان مستقبلنا حقا غير مكتوب
10:32وإذا كنا محكومين بهذه الحرية المطلقة
10:35فمن سنختار أن نكون اليوم؟

Recommended