00:00لو رجعنا بالزمن حوالي قرنين ونص وراء
00:02ووقفنا قدام أي معبد فرعوني
00:05المشهد هيكون غريب ومحير
00:09حيطان كاملة متغطية بنقوش ورسومات تبهر
00:12ومقابر تحت الأرض مفيهاش شبر فاضي من كتب
00:16لكن مفيش بني آدم واحد على الأرض وقتها
00:18كان قادر يقرأ كلمة من المكتوب
00:21لحد أواخر القرن الثمنتاشر
00:23مصر الأديمة كانت بالنسبة للعلماء والرحالة الأوروبيين
00:27مجرد لغز كبير
00:28كانوا بيجوا يقفوا قدام المعابد مبهورين وعجزين في نفس الوقت
00:33وبسبب العجز ده ظهر التفسيرات غريبة شوية
00:36لدرجة أن باحثين كتير وقتها
00:38افتقروا أن الهيروغليفية دي مش لغة حقيقية لها قواعد ونطق
00:43وأنها مجرد رموز دينية وطلاصم سحرية
00:46معمولة عشان تخبي أسرار الكون
00:48يعني باختصار كان قدامنا حضارة كاملة سابت تفاصيل حياتها
00:53وتاريخها مكتوب على كل جدار
00:55بس التاريخ ده كان واقف صامت
00:57وما حدش قادر يفهمه
00:59الموضوع كله اتغير بسبب حجر واحد مكسور
01:03مصنوع من البازلت وما كانش يخطر على بل حد
01:06الحجر ده هو اللي حل اللغز اللي عجز عنه الفلاسفة والعلماء لقرون
01:11عشان نفهم الحكاية
01:13لازم نرجع بالزمن ليوليو سنة 1799
01:17في مدينة رشيد الساحلية
01:19ساعتها كانت شمس الصيف حامية جدا على عساكر الحملة الفرنسية
01:23الجنود كانوا شغالين بهمة وعرق تحت اشراف مهندس عسكري شاب اسمه بيير فرانسوا بوشار
01:30المهمة ما كانتش علمية خالص
01:32دي كانت مهمة عسكرية بحتة
01:34بيرمموا طبية قديمة عشان يستعدوا لاي هجوم عثماني او انجليزي متوقع
01:39وسط تراب الهدم وصوط الفقوس فأس واحد من العساكر خبط في جسم صلب ومختلف تماما عن بقية حجارة الطبيعة
01:47لما نظفوا التراب من عليه ظهرت صخرة سودة مكسورة من حجر الجرانوديورايت
01:52واللي تعرف بعد كده بالبازلت الاسود طولها حوالي متر وعرضها اقل من المتر بشوية
01:57هنا بيظهر دور الصدفة والوعي السريع بقيمة الاثر
02:01بوشار ما كانش مجرد زابط عسكري بينفز اوامر
02:04ده كان مهندس متعلم وعنده فضول علمي حقيقي
02:08لما بص على الصخرة المكتوبة لاحظ فورا ان النقوش متقسمة لثلاث اقسام واضحة ومختلفة تماما عن بعضها
02:15الجزء اللي فوق كان مكتوب بالهيروغليفية وهي الكتابة الرسمية والمقدسة وقتها
02:20والجزء اللي في النص بخط شعبي ما كانوش عارفين اسم ساعتها
02:24اللي عرفنا بعد كده انه دي مطيقية
02:27اما الجزء اللي تحت فكان المفاجأة الكبيرة
02:30مكتوب باليونانية القديمة ودي لغة العلماء وقتها كانوا بيعرفوا يقروها كويس جدا
02:36بوشار فكر بسرعة طالما النص اليوناني مفهوم والنصوص التلاتة مكتوبة على نفس الحجر
02:42يبقى غالبا التلات خطوط بتقول نفس الكلام
02:44يعني ببساطة الحجر ده ممكن يكون المفتاح اللي هيترجم لغة الفرعانة
02:50بوشار ما تردتش ووقف الشغل في الطبيعة ونقل الحجر فورا للقاهرة
02:55للمجمع العلمي اللي اسسه نابليون بونابارت
02:58عشان العلماء يبدأوا يدرسوه وينسخوا النقوش اللي عليه ويبعتوها الأوروبا
03:03الصدفة البحتة في وسط الحرب والتحصينات العسكرية
03:06هي اللي قدمت للبشرية المفتاح اللي تاه لألاف السنين
03:10لكن الموضوع ما كانش بالسهولة دي
03:13الحرب اللي كشفت عن الحجر كانت هي السبب انه يغير مصاره بالكامل
03:18بعد هزيمة الفرنسيين في مصر الحجر اتنقل لإيد الإنجليز كغنيمة حرب
03:23ومن هنا بدأت معركة تانية خالص سباء علمي شرس بين لندن وباريس لفك الشفرة
03:30ومع وصول الحجر للندن بموجب الاتفاقية اللي حصلت
03:33اتنقل التحدي من جبهات القتال لغرف الدراسة والمكتبات
03:37وبقت المنافسة واضحة وعلنية مين اللي هيقدر يفك الشفرة دي الأول
03:42في انجلترا تولى المهمة طبيب وفيزيائي موسوعي اسمه توماس يونج
03:47ما كانش عالم آثار بالمعنى التقليدي لكنه كان بيتميز بنظرة تحليلية
03:53قريبة من الرياضة والفيزياء
03:55لما بدأ يدرس النص الهيروغليفي ركز على الأشكال البيضوية المعروفة بالخرطيش
04:01يونج فكر بطريقة بسيطة
04:03الأسماء الملكية لملوك مش مصريين زي بطلي موس
04:07مش هينفع تتكتب برموز تعبيرية
04:09أكيد مكتوبة بحروف بتنطق أصوات واضحة عشان تتقري زي ما هي باليونانية
04:14وبالفعل قارن الحروف اليونانية بالرموز اللي جوه خرطوشة بطلي موس
04:19وقدر يحدد القيمة الصوتية لبعض الرموز دي
04:22لكن يونج وقف عند النقطة دي
04:24كان شايف ان الهيروغليفية لغة رمزية في الأساس
04:28وان الحروف الصوتية دي مجرد استثناء اتعامل مخصوص لأسماء الملوك الأجانب
04:32على الجانب التاني في فرنسا كان فيه شاب اسمه جان فرانسوا شامبليون
04:37واخد الموضوع كقضية شخصية من صغره
04:39شامبليون درس لغات شرقية كتيرة وهو لسه مراهق
04:42لكنه ركز بشكل خاص على اللغة الأبطية
04:45هو كان مقتنع ان القبطية هي الامتداد الطبيعي للغة المصرية القديمة
04:49بس مكتوبة بحروف يونانية
04:51فكرته كانت بسيطة
04:53لو قدر يفهم القبطية كويس
04:55هيعرف الفراعنة كانوا بينطقوا كلامهم ازاي
04:57لدرجة انه كان بيتدرب نفسه على الكلام بيها في حياته اليومية
05:01عشان يعيش جوى اللغة
05:02هنا كان الفرق في الطريقة بين الاثنين
05:04يونج اتعامل مع الموضوع كمسألة رياضية محتاجة فك رموز
05:08لكن شامبليون كان شايف انه بيتعامل مع لغة حية لها تاريخ ممتد
05:13شامبليون استفاد طبعا من فكرة يونج بخصوص الأسماء الملكية
05:16لكنه قرر يروح أبعد من كده
05:18وسأل نفسه
05:19هل ممكن تكون الهيروغليفية كلها عبارة عن نظام صوتي ورمزي في نفس الوقت
05:23مش بس في أسماء الملوك
05:25السؤال ده خلى شامبليون يشتغل ليل نهار
05:28ويعزل نفسه تماما عن العالم وسط أكوام من الورق والمقارنات
05:32لحد ما وصل للحزة الحسم في سبتمبر سنة 1822
05:37وقتها كان شامبليون قاعد في قطه بيحاول يطبق نظريته
05:41اللي بناها على درسته العميقة للغة القبطية
05:44الموضوع ما كانش سهل
05:45وشامبليون كان عارف ان دي فرصته عشان يفبت ان الهيروغليفية لغة متكملة
05:50مش مجرد رموز
05:51البداية الحقيقية لفك اللغز كانت بمقارنة بسيطة
05:55جاب اسم بطليموس اللي لقى حروفه على حجر رشيد
05:58واسم كليوباترا اللي ظهر على مسلة تانية من معبد فيلة
06:02وبلق يطابق الحروف المشتركة بين الاسمين
06:05زي الباء والتاء واللام
06:07وقدر فعلا يحدد قيمتها الصوتية
06:09بس السؤال الصعب اللي كان محيره
06:11هل النظام ده بيمشي على كل الاسماء المصرية
06:14ولا مقتصر بس على الملوك الاجانب زي البطلمة
06:17الاجابة ظهرت لما بص الخرطوشة ملكية اقدم بكتير
06:21لمالك مصري ملوش علاقة باليونانيين
06:24لقى فيها رسمة لقرص الشمس
06:27وجنبها رمز بيعبر عن الولادة
06:29وحرفين سين
06:30هنا ترجم الرموز دي باللغة القبطية
06:33اللي هو حفظها
06:34الشمس يعني رع والولادة يعني ميس
06:37لما نطقهم ورى بعض طلعت الكلمة
06:40رع ميس
06:41في اللحظة دي الصورة واتحت بالكامل
06:44الهيرغليفية مش رموز سحرية غمضة
06:47ولا هي مجرد حروف ابجدية جفة
06:49دي نظام زكي جدا
06:51بيجمع بين الرموز اللي بتعبر عن أصوات
06:53والرموز اللي بتعبر عن معاني وصور في نفس الوقت
06:56من كتر حماسه
06:58شامبليون لم ورقه وجري في شوارع باريس
07:01لحد ما وصل لمكتب أخوه جاك جوزيف
07:04دخل عليه وهو بينهج ونفسه مقطوع
07:06رمى الأوراق على المكتب وقال جملته الشهيرة
07:09لقد أمسكت بها
07:10أنا مسكتها
07:12اللحظة دي كانت البداية الحقيقية لعلم المصريات
07:15والخطوة الأولى عشان نفهم الحضارة دي بصوت أصحابها
07:18بعد اللحظة دي جدران المعابد في الأقصر وأصوان ومقابر وادي الملوك
07:23ما بقتش مجرد رسومات بنبصلها من غير ما نفهمها
07:27الجدران دي بدأت تحكي قصص الملوك والحروب
07:30وحتى تفاصيل الحياة اليومية للناس العادية والكتبة
07:33اللي سجلوا كل حاجة على وراء البردي
07:35كأن التاريخ المصري رجع يتكلم تاني بعد قرون من الصمت
07:39وفي الوقت اللي العالم كان بيحتفل فيه بالخطوة دي
07:42كان الحجر نفسه اللي بدأ الرحلة دي كلها
07:45بيستقر في مكان بعيد عن بلده
07:47بسبب الصراعات السياسية والحروب وقتها
07:49الحجر اللي فتح الباب لفك شفرة لغة كاملة
07:53معروض النهاردة في القاعة رقم 4 في المتحف البريطاني في لندن
07:56وراء لوح إزاز سميك
07:58وملايين الزوار بيعدوا عليه كل سنة
08:00لكن وجوده هناك مش مجرد عرض هادي
08:03دوران قاش وجدل مستمر ما بيخلصش
08:06مصر بالطالب باسترداد الحجر بشكل رسمي
08:09على أساس أنه جزء من تاريخها
08:10وخرج في ظروف حرب واستعمار
08:12وفي المقابل
08:14إدارة المتحف البريطاني بتشوف أنه بقى ملكي للإنسانية كلها
08:18ومعروض في مكان بيجمع حضارات مختلفة
08:21لكن بعيدا عن الخلاف الدبلوماسي ده
08:24القيمة الحقيقية للحجر رشيد
08:27مش فيكونوا حتة صخر من البازلت
08:29القيمة الحقيقية للحجر
08:31هي أنه لو لا
08:33كانت تفاصيل حياة المصريين القدماء
08:35وقصصهم
08:36ومعتقداتهم
08:38هتفضل مجرد رموز
08:41الحجر ده كان الجسر
08:43اللي رجع للمصريين القدامى صوتهم وهويتهم
08:46بعد قرون من الصمت
08:48القصة دي بتخلينا نفكر في قيمة الكلمة المكتوبة
08:51وإزاي أثر بسيط
08:53ممكن يحمي حضارة كاملة من النسيان
08:55وتفتكروا
08:57هل ما كان الحجر الطبيعي
08:59هو بلده الأصل مصر
09:00وسط المعابد اللي تكتبت لغتها عليها
09:03ولا وجوده في لندن
09:04بيخليه سفير للحضارة دي
09:06بيشوفه ملايين الزوار من كل حتة في العالم
09:09اكتبونا رأيكم في التعليقات
09:11وما تنسوش تشتركوا في القناة
09:13واتفعلوا الجرس
09:14عشان تتابعوا معنا الحكايات الجاية
09:16أشوفكم على خير
Comments