00:00الحكاية بتبدأ في الشتاء سنة 1884 وتحديدا في مدينة برلين
00:05هناك في قاعة دافية وبعيدة تماما عن أفريقيا اتجمع ممثلين الدول الكبرى في الوقت ده
00:11قدامهم خراية واسعة للقارة السمرة وفي إيديهم أقلام ومساطر بيرسموا بيها حدود جديدة
00:18مغير ما يحضر صاحب أرض واحد ولا حتى يتسمع صوته
00:22في القاعة دي اتخطط لاستغلال الفطرة الطيبة للناس هناك
00:26واحترامهم للرموز الروحية وقيم الماء والخير
00:29في نوفمبر من السنة دي وبدعوة من المستشار الألماني أوتو فون بيسمارك
00:34بدأ مؤتمر برلين الشهير
00:35الشعار اللي اترفع وقتها كان شعار إنساني في ظاهره
00:39تنظيم الملاحة والتجارة والعمل على نشر الإعمار والخير في حوض نهر الكونغو
00:43لكن ورا الكلام الدبلوماسي اللطيف ده كانت الحقيقة مختلفة تماما
00:48وهنا بييجي سؤال بسيط ومنطقي
00:51إزاي بيتم تقرير مصير قارة كاملة وتوزيع ثروات شعوبها
00:57من غير ما يكون فيه ممثل واحد لأصحاب الأرض على مائدة المفاوضات
01:02الموضوع ما كانش مجرد تأسيم جغرافي على الخريطة
01:06لكنه كان تخطيط استغل معدلات
01:10هنشوف مع بعض إزاي تم توظيف أسطورة الرجل الأخضر
01:14اللي بيمثل عندهم رمز النماء والسلام
01:17عشان يقنعوا الزعماء المحليين يوقعوا على معاهدات
01:22اتسببت في النهاية في سلب أراضيهم وثرواتهم من غير ما يدركوا أبعادها الحقيقية
01:27لأن القوة العسكرية لوحدها مش دايما بتكون كافية للسيطرة الكاملة
01:32كان لازم يدوروا على مدخل كاني
01:35مدخل بيخاطب الروح والوجدان
01:37ملك بلجيكا ليوبولد الثاني
01:40كان الشخص اللي قدر يطبق المدخل ده بذكاء شديب
01:44فكان بيفهم في الدعاية بمقاييز زمانه
01:47في سنة 1876
01:49يعني قبل مؤتمر برلين بكم سنة
01:51أسس كيان سماه الجمعية الأفريقية الدولية
01:55الاسم الوحده يبان كأنه منظمة إنسانية
01:58بتقدم مساعدات وإغاثة
02:00والشعار المعلن كان نبيل جدا
02:03وبيخاطب المشاعر الإنسانية
02:05محاربة تجارة الرقيق
02:07ونشر العلوم والمعرفة
02:08ومساعدة شعوب وسط أفريقيا
02:11عشان يلحقوا بقطارة
02:13النخب المثقفة والرأي العام في أوروبا
02:16صدقوا الكلام ده تماما
02:17مين يقدر يعترض على جمعية
02:19هدفها إنساني بعد
02:21حتى المستكشفين والعلماء
02:23كانوا شايفين ليوبولد كأنه راعي السلام
02:25اللي جاي ينقذ القارة
02:27لكن في الحقيقة
02:28الجمعية دي ما كانتش أكتر من وجهة تجارية
02:31واستعمارية خاصة بالملك نفسه
02:33غطب يتحرك من وراه
02:35عشان يستكشف ثروات حوض الكمغو
02:37ويرسم خططه من غير ما يثير شكوك الدول المنافسة
02:40الحكاية هنا بتورينا
02:41إن السيطرة سعاد بتبدأ
02:43بكسب الثقة والقلوب قبل الأرض
02:45ليوبولد استخدم غطى العمل الخيري
02:47والإحسان عشان يمهد الطريق
02:49لرجال على الأرض
02:50مستكشفين عندهم مهارة عالية في الإقناع
02:52والناس دول ما كانش معاهم جيوش جرارة
02:55لكن كان معاهم فهم عميق
02:57للموروسات الشعبية
02:58وقدروا يستغلوا الرموز الروحية
03:00عشان يفتحوا الأبواب المأخولة من غير صراع مسلح
03:03الفكرة إن الشعوب الإفريقية
03:06على مر تاريخها
03:06كانت دايما مرتبطة بأرضها
03:08وبالقيم الروحية
03:09ارتباط حقيقي وقوي
03:11في ثقافة قبايل ومناطق كتيرة
03:14كان فيه احترام كبير جدا لرموز الخير
03:16والنماء والسلام
03:17ومن هنا ظهرت فكرة الرجل الأخضر
03:20أو المصلح اللي بييجي من بعيد
03:22وشايل معاه الخير والزراعة والإعمار
03:25دي كانت فكرة راسخة ومحبوبة في الوجدان الشعبي
03:28وفي المناطق اللي انتشر فيها الإسلام في القرة
03:31كان فيه توقير فطري للناس الصالحين والدعاء
03:34اللي بيسعوا بالخير ويصلحوا بين الناس
03:36والزعماء المحليين هنا ما كانوش سوزج
03:39بالعكس هم كانوا بيتعاملوا بأخلاقهم وفطرتهم السليمة
03:43اللي بتفرض عليهم إكرام الضيف وتصديق العهود
03:46خاصة لما تكون متغلفة بكلام عن الصلاح والإصلاح
03:49المستكشفين الأوروبيين وعلى رأسهم شخصيات زي هنري مورتون ستانلي
03:55أدركوا قيمة الموروثات دي وعرفوا تأثيرها على الوقت
03:59ستانلي ورجالته ما كانوش بيظهروا في الأول في صورة غزاة شايلين السلاح
04:03بالعكس قدموا نفسهم كرسل سلام وتنمية
04:07ركزوا على الرموز المرتبطة بالزراعة والنماء
04:10ووعدوا الأهالي إنهم جايين ينقلوا المعرفة ويساعدوهم ويحموهم من تجارة الرقيق
04:16فظهروا في عيون الناس وكأنهم التكسيد الفعلي لشخصية المصلح
04:20أو الرجل الأخضر اللي بيجيب الخير معاه في كل مكان يروحوا
04:24وبكده تم استغلال الاحترام الفطري للقيم الطيبة دي
04:28علشان يكسروا أي حذر أو شك عند الزعماء المحليين
04:32المؤرخين بيأكدوا إن البداية ما كانتش مواجهة عسكرية
04:36بل كانت تلاعب هادي بالرموز الروحية
04:38الشعوب دي كانت تقدر تطاوم بكل شجاعة أي غزو مسلح ومباشر
04:43وتاريخهم بيشهد على ده
04:45لكنهم فتحوا بيوتهم وقلوبهم للي رفعوا شعارات السلام والإعمار
04:49وتظهروا بالصلاح وحب الخير
04:51التمهيد ده اللي خطب مشاعر الناس وقيامهم
04:55كان هو المدخل اللي سهل للأطمع الاستعمارية إنها تلاقي مكان
04:59وبمجرد ما المستكشفين أمنوا واستقروا في القرى
05:02وبقاليهم مكانة وسط الأهالي
05:04بدأت اللعبة تتنقل لخطوة تانية خالص
05:07خطوة بتحول الكلام والوعود الشفاهية
05:09لالتزامات مكتوبة على الورق
05:11وبأقلام بسيطة ووعود كلامية عن السلام والتعاون
05:15لأ الزعماء المحليين نفسهم
05:17بيوقعوا على معاهدات مكتوبة بلغة غريبة ما يعرفوهاش
05:21وهم فاكرين إنهم بيرحبوا برسل الأعمار والخير
05:24من غير ما يدركوا إن الورق ده
05:26هو اللي هيتفرش بعد شوية
05:28على ترابيزات المفاوضات في أوروبا
05:30ومن قلب الغباية لبرلين
05:31القاعة اللي شهدت صياعة القرارات دي
05:34القوة الاستعمارية هناك
05:35ما كانتش بتنقش المعاهدات والرموز من باب الفضول
05:38هما كانوا بيحولوا التفاهمات اللي تمت في الأدغال
05:41لأوراق رسمية تضمن لهم السريطرة القانونية
05:44قدام بعضهم البعض
05:45عشان يتجنبوا أي صدام عسكري أوروبي مباشر على أرض إفريقيا
05:49المؤتمر أقر مبدأ غريب في ميزان العدالة
05:52وهو مبدأ الاحتلال الفعلي
05:54المبدأ ده ببساطة معناه
05:56إن أي دولة أوروبية تدعي سيادتها على أرض إفريقيا
05:59لازم تثبت إنها مسيطرة عليها عسكريا وإداليا على أرض الواقع
06:03يعني الموضوع ما بقاش مجرد معاهدة حبر على ورق مع الزعماء المحليين
06:08اللي تعاملوا بحسن نية وأخلاق فرسان
06:10لا دي بقى الدعوة صريحة للغزو العسكري المباشر
06:13عشان كل دولة تثبت وجودها الفعلي بقوة السلاح
06:15ومن هنا بدأ المندوبين يرسموا خطوط مستقيمة على الخريطة
06:19الخطوط دي قسمت القارة لخمسين كيان جديد من غير أي اعتبار للتوزيع القبلي أو اللغوي أو الروحي للسكان
06:26قبيلة واحدة تلاقي نفسها فجأة اتقسمت بين دولتين
06:30وقابلتين بينهم خلافات تاريخية بقوا فجأة جو حدود واحدة
06:35مما زرع بزور صراعات ممتدة لعقود طويلة
06:38أما المأساة الأكبر فكانت لما المؤتمر قرر يمنح حوض الكونغو الشاسع
06:43اللي بيساوي مساحة أوروبا الغربية تقريبا للملك ليوبولد الثاني
06:48كملك شخص ليه تحت مسمى مضلل جدا وهو دولة الكونغو الحرة
06:53الملك ده قدر يغنع المؤتمر أنه بيعمل كده لحماية السكان ونشر المدنية
06:59ومحاربة تجارة الرقيق
07:00والنتيجة كانت تحويل بلد كاملة لإقطاعية خاصة لإنتاج المطاط والماس بالعمل القصري والتعامل
07:08لما نبص للوسائق دي بعين منصفة بنشوف إزاي المعاهدات دي اللي توقعت باسم السلام
07:15كانت غطى قانوني لسلب إرادة الشعوب ونهب سروتها
07:18القرارات الإدارية الجفة دي اللي تصاغت في غرف برلين الدافية غيرت مصير ملايين البشر وجغرافيا القارة للأبد
07:27وبكده انتهت مرحلة الأوراق والخرائط الرسمية
07:31وبدأت ساعة الحقيقة والتطبيق العمل المريض
07:34ومع أول خطوة للتنفيذ والجرائد الأوروبية لسه بتنشر كلام عن إنقاذ القارة ونشر المدنية
07:41بدأت الحقيقة تظهر للناس بشكل تاني خالص
07:45فقط الرمزية الروحية اللي استغلوها
07:47وصورة الرجل الأخضر أو المصلح اللي جيه عشان يحمي الأرض وينشر الخير والنماء
07:53اتحولت لواقع صعب وقاسي عاشوا ملايين البشر
07:57الناس كانت فهمة إن الكلام ده معناه إعمار وتطوير لحياتهم
08:02لكنهم اتفاجئوا بالنظام الصخرة والدرائب الصعبة
08:05الرموز اللي كانت بتعبر عن بركة الأرض ونماءها اتشالت تماما
08:09وحل محلها نظام هدفه الأساسي استنزاف الخيرات
08:13المحتل ما كانش جاي ساعدهم يزرعوا أرضهم
08:16هو كان جاي يجمع المطاط والمعادن بأي طريقة
08:19ومن غير ما يقدم لأصحاب الأرض الحقيقيين أي مقابل عادل
08:23السياسات دي أثرت بشكل عميق على حياة الناس اليومية والاجتماعية
08:27القرى اللي كانت عايشة على الترابط والزراعة مع بعض
08:31اتفككت تماما
08:32لإن الرجال كانوا بيتاخدوا غصب عنهم
08:35عشان يشتغلوا في غابات المطاط بالأسابيع والشهور
08:38حتى الروابط الروحية العميقة
08:41اللي كانت بتجمعهم بأرضهم وقيامهم الأصيلة
08:44اتعرضت لهزة شديدة
08:46بسبب المعاناة والضغط المستقبل
08:48والمشهد الصعب ده بيخلينا هنا في برنامجنا غرائب حول العالم
08:53نرجع للمصادر التاريخية الموثقة
08:55ونشوف إزاي المأسادي هز الضمير بعض المنصفين من الغربيين نفسهم
09:00في كتاب ومبشرين وصحفيين زاروا المنطقة في الوقت ده
09:04وتصدموا من فرق الكبير بين الشعارات الإنسانية البراقة
09:08اللي تقالت في المؤتمرات
09:09وبين واقع الأسر اللي تشتتت
09:11والخيرات اللي تنهبت باسم التطوير
09:13لكن الأرض دي اللي أهلها تعودوا على العزة والكرامة
09:17ما استسلمتش للأمر الواقع
09:19وبدأت تظهر فصول جديدة من المقاومة الروحية والمادية
09:22للدفاع عن هويتهم وحقهم في الحياة
09:25ومع بداية التحرك الشعبي ده
09:28الزعماء المحليين والعلماء اللي اتخدعوا في البداية
09:31أدركوا إن السكوت معناه ضياع الأرض والحقوق
09:35وإن الوعي لازم يصحى وبسرعة لمواجهة القسوة والظلم
09:39بدأ العلماء والوجهاء يتحركوا بين الناس
09:42يوضحوا لهم إن المعاهدات دي بطلة وما تلزمش حد
09:46لإن الأرض أمانة ربنا استخلفنا عليها
09:49ومش من حق مخلوق يتنازل عنها
09:51والغريب إن الرموز الروحية وقيم الخير والنماء
09:55اللي حاول المستعمر يسرقها عشان يبرر وجوده
09:58رجعت تاني لأصحابها
09:59وبقت هي المحرك الأساسي لرفض الظلم
10:02المقاومة هنا ما كانتش فوضوية
10:05بل كان الدفاع شرعي منظم
10:07بيستمد قوته من الإيمان والحق في مواجهة تزييف القوة
10:11إحنا هنا في غرائب حول العالم
10:13لما بنعيد قراءة الصفحات دي من التاريخ
10:15مش بنعرضها لمجرد سرد العجائب
10:18لكن بنحاول ننظر للأمور بعين العدل والإنصاف
10:21عشان ندرك إن الوعي والتمسك بالقيم الأصيلة
10:24هم الدرع الحقيقي اللي بيحمي الشعوب من التزييف
10:27مهما طال الزمن
10:29المقاومة دي بتعلمنا إن القوة المادية
10:32مهما بلغت صعب تكسر هوية شعب
10:35قرر يحافظ على كرمته وأرض
10:37ومن هنا بنشوف إن التاريخ دايما بيثبت لنا
10:39إن أي عهد أو اتفاق
10:41ما بيتبناش على العدل والطقوة
10:43نهايته بتكون الزوال
10:44الخرائط والحدود اللي بتترسم بالظلم
10:47ممكن تعيش فترة
10:48لكنها ما بتملكش قلوب الناس
10:51ولا بتغير هويتهم الحقيقية
10:52والمسألة هنا مش مجرد حكاية بنفتكرها
10:55لكنها دعوة حقيقية لفهم الأصول
10:58إننا نحافظ على هويتنا ونفهم رموزنا الروحية والخيرية الحقيقية
11:02وما نسمحش لأي حد يزيفها أو يستغل الفطرة الطيبة للناس
11:06عشان يمرر أطمعه
11:07الوعي بالماضي هو البصلة اللي بنحمي بيها أيامنا الجاية
11:11الحق والعدل هم السنن السبتة في الكون
11:14ومهما طال الوقت الحق دايما بيرجع لصحابه
11:18نسأل الله العلي القدير أن ينشر العدل والسلام في كل ربوع الأرض
11:22ويحمي المستضعفين
11:24ويحفظ عقولنا وفطرتنا من كل تزيف
11:26ترجمة نانسي قنقر